Friday, June 27, 2008

لزوم الاستهلاك المحلي بقلم الأستاذ فهمى هويدى


مقالات: لزوم الاستهلاك المحلي بقلم الأستاذ فهمى هويدى

مقالات
21/ 06 / 2008
الكلام الذي قاله وزير الصحة عن أن ثمة قراراً يلزم جميع المستشفيات باستقبال المصابين أو المرضي في حالات الطوارئ وعدم تحصيل أي رسوم مالية منهم خلال الأربع وعشرين ساعة الأولي، هو للاستهلاك المحلي في الأغلب، لست أشك في وجود القرار الذي نشرت وزارة الصحة نصه في إعلان عُمم علي الصحف الصادرة في 14/6 الحالي......


ولكن شواهد الواقع تدل علي أن هذا القرار كان أيضاً للاستهلاك المحلي، وإنه لم يؤخذ علي محمل الجد من جانب وزارة الصحة ذاتها ذلك أن حالات رفض استقبال المرضي الفقراء وطرد العاجزين منهم عن دفع نفقات العلاج أصبحت شائعة، حتي باتت الأخبار التي تنشر عنها أمراً مألوفاً في الصحف اليومية. صحيح أن الصحف نشرت أن الوزير الدكتور حاتم الجبلي طلب إجراء تحقيق عاجل حول ما أثاره أطباء مستشفي الساحل التعليمي حول الموضوع، حيث تحدث بعضهم إلي إحدي القنوات الفضائية متهماً إدارة المستشفي بطرد الفقراء الذين يعجزون عن دفع نفقات العلاج، ولكن طلب الوزير كان بدوره للاستهلاك المحلي.

كنت قد أثرت هذه القضية قبل أسبوعين، في أعقاب ما نشر عن طرد سيدة مسنة مريضة بالقلب من أحد المستشفيات الخاصة بحي شبرا، ولم تجد مكاناً يأويها، فاعتصمت بباب المستشفي حتي ماتت علي عتبته. وتلقيت بعد ذلك رسالة من قارئة أصيب أبوها بجلطة في المخ وطلب منها الطبيب المعالج أن توقع «ايصال أمانة» بألف جنيه قبل أن يعطيه الحقنة التي تذّوب الجلطة، وقد عقب الدكتور صبحي هويدي برسالة نشرتها كانت خلاصتها أن الدول التي تحترم حقوق الإنسان وتدافع عن كرامة مواطنيها هي التي تتحمل نفقات علاج الفقراء منهم إذا ما عجزوا عن سدادها.

وإن تطبيق هذا النظام بجدية وحزم يشجع جميع المستشفيات علي أن تؤدي واجبها كاملاً نحوهم، وهي مطمئنة إلي أنها ستحّصل تلك النفقات من الحكومة، لتتمكن من الاستمرار في أداء ذلك الواجب.

علي الورق، كل ذلك حاصل في مصر باستثناء شيء واحد، هو أن الحكومة لا تسدد للمستشفيات النفقات التي تتحملها لعلاج الفقراء. صحيح أن بعض الشخصيات العامة تعالج علي نفقة الدولة في خارج مصر وداخلها، ولكن ذلك عادة ما يكون من باب الوجاهة السياسية التي يراد بها إثبات أن الحكومة تحنو علي مواطنيها. خصوصاً حين يتم ذلك بناء علي قرارات عليا. ورغم أنه لا شكر علي واجب، إلا أننا نتمني أن تمتد يد العطف للغلابة من أبناء الشعب المصري، الذين هم أحوج إلي الرعاية علماً بأن علاج الفقراء ليس تبرعاً أو عطفاً من الدولة، وإنما هو حق للناس وواجب عليها، لأن أحداً في الحكومة لا يدفع هذه النفقات من جيبه الخاص، وإنما الدفع هو من الموازنة العامة، التي تشكل الضرائب التي يدفعها الناس أحد أوعيتها الأساسية.

حين اجتمعت لجنة الصحة بمجلس الشعب يوم الأحد الماضي «8/6» نوقش موضوع العلاج علي نفقة الدولة وانفضح موقف الحكومة، حيث وقف مسئول الشئون القانونية في وزارة الدفاع وأعلن أنه ابتداء من ذلك اليوم لن تقبل المستشفيات العسكرية أي حالات للعلاج علي نفقة الدولة، لأن وزارة الصحة ترسل المرضي إلي تلك المستشفيات ثم تمتنع عن دفع مستحقات علاجهم. الأمر الذي أوصل مديونية المستشفيات العسكرية علي الوزارة إلي 9 ملايين جنيه، وقال مدير مستشفي عين شمس التخصصي إن وزارة الصحة مدينة بمبلغ 14 مليون جنيه، أما مديرة مستشفي قصر العيني فقد ذكرت أن الوزارة مدينة لهم بمبلغ 18 مليون جنيه!

وهذه كلها نفقات تحملتها المستشفيات لعلاج غير القادرين الذين أحيلوا إليها، ولكن الحكومة التي أحالت امتنعت عن أداء مستحقات المستشفيات.

ثمة كلام أثير في الاجتماع عن رفض وزير المالية الاعتراف بمبدأ العلاج علي نفقة الدولة وعن تخفيض ميزانية وزارة الصحة وعن مبالغة المستشفيات في تقدير أتعابها، لكن ذلك كله لا يغير من حقيقة أن الحكومة لم تأخذ قضية علاج الفقراء علي محمل الجد ولم تضعها ضمن أولوياتها. الأمر الذي يعني أن كلام وزير الصحة في الموضوع كان مجرد «كلام جرايد» وأنه موجه إلي الإعلام بأكثر ما هو معبر عن الحقيقة.

الدستور


No comments: